محمد متولي الشعراوي

1621

تفسير الشعراوى

ولكنهم كذبوها ، وهي قضية تتعرض للطعام ، وما دامت القضية تتعرض للطعام فهناك الكثير من الملكات التي يمكن أن تتحرك ، فملكات الواجد حين تتحرك فحركتها تكون بأسلوب غير الأسلوب الذي تتحرك به ملكات المعدم . فقبل أن يحرك وجدان المعدم إلى أنه معدم ، حتى لا يتلقى ذلك بحسرة ، فإنه سبحانه يكون قد عمل رصيدا لهذا المعدم ، فيرقق قلب الواجد أولا « لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ » وبعد ذلك يأتي قوله الحق سبحانه : كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 93 ) ( سورة آل عمران ) ومعنى كلمة « حل » هو « حلال » ، ويقابلها « حرام » وحل هي مصدر ، وما دامت مصدرا فلا نقول « هذان حلالان » بل نقول : « هذان حل » ، ونقول : « هؤلاء حل » وإن شئت فاقرأ قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ( من الآية 10 سورة الممتحنة ) « لا هُنَّ » هذه لجماعة النساء ، والحل مفرد ، وعندما يقول الحق سبحانه : « كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ » فهذا يعنى أنه قد حرم بعضا من الطعام على نفسه فهو حر في أن يأخذ أو يترك ، أو أنه قد حرمه على نفسه فوافقه اللّه ؛ لأن الناذر حين ينذر شيئا لم يفرضه اللّه عليه فهو قد ألزم نفسه بالنذر أمام اللّه . إن الزمن الذي حرم فيه إسرائيل على نفسه بعضا من الأطعمة هو « مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ » أي أن هذا التحريم لم يحرمه اللّه ، ويأتي الأمر لرسوله الكريم أن يخاطب بني إسرائيل : « قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ » إنه قد كشف سترهم ، وعلموا أن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم يعلم أن النص الذي